ابو البركات
341
الكتاب المعتبر في الحكمة
في سائر الأعضاء الحاسة مع ما لها من القوى الحاصة بها كالعين واللسان فان هذه لها لمس مع الابصار والذوق ففيها قوة لامسة مع القوة الباصرة والذائقة وما قالوا كذلك في هذه بل قالوا إن المبصر السامع الشام الذائق اللامس فيها قوة واحدة سموها الحس المشترك وقولنا في ذلك كقولنا في الادراك البصري الذي كان يمتنع فيه ارتسام الاشكال من دوات المقادير العظيمة على مقاديرها فكيف ترتسم في هذا الجزء الصغير ألوف من هذه المقادير وكيف تنتقش فيه بلدة على قدرها وجبل على عظمه ولما استحال هذا في العين في شكل شكل مما تراه العين شيئا بعد شئ فهو بالاستحالة هاهنا أولى في المدركات الكثيرة معا فكيف وتجتمع فيه أصناف المدركات من الألوان والاشكال والحرارة والبرودة والصلابة واللين وأصناف الطعوم والأراييح وينتقل في اقصر زمان من ادراك شئ إلى ادراك ضده فإذا كان ادراكه بحصول هذه الكيفيات فيه والحار هو الذي فيه الحرارة والبارد هو الذي فيه البرودة والصلب هو الذي فيه الصلابة وغير ذلك منها فهذا الروح يصلب كالصخرة ويلين كالهواء ويرطب كالماء ويجف كالأرض ويسخن كالنار ويبرد كالثلج في اقصر زمان وكذلك تكون فيه حلاوة العسل ومرارة الصبر فينتقل إلى هذه الأحوال من ضد إلى ضد في غير زمان وهم بأجمعهم يقولون إن هذا الروح انما صار محلا لهذه القوة وآلة لهذه الأفعال بمزاج اختص به كغيره من الأعضاء والأرواح التي إذا فسد مزاجها بطلت آليتها وقوتها التي تفعل بها لكنهم ربما قالوا إن هذه الكيفيات والآثار المدركة من هذا القبيل ليست مثل أمثالها للوجودة في الأعيان حتى يلزم كما قلتم ان تستحيل نارا بالحرارة وثلجا بالبرودة عند ادراك الحرارة والبرودة وانما هي أشباح تلك وآثار متأدية عنها يكون الأثر اليسير الحاصل منها في الروح لقربه من القوة المدركة كالكيفية التي في الأعيان بل في غاية الشدة والقوة بالقياس إليها فان الشديد من الحرارة إذا أدرك من بعيد لا يبلغ من المدرك مبلغ الحار الضعيف إذا كان قريبا فكيف إذا استقرّ حاصلا عند القوة في محلها حتى يكون